-

الشهيد فؤاد بشير الكردي

الشهيد الشيخ فؤاد بشير الكردي رحمه الله تعالى “1952- 1984م.”

مولده: 1952- 1984م هو فؤاد الكردي, والده بشير الكردي كان موظفاً في بلدية طرابلس أقام  في مدينة طرابلس في منطقة باب التبانة ثم عاد ليقيم في قريته البرج الواقعة في منطقة الجومة في عكار شمال لبنان عام 1975 م.

البيئة التي ولد وعاش فيها: عاش فؤاد الكردي في بيئة وبيت ملتزم بالدين عبادة وصلاة ومحافظ العادات والتقاليد، وقد كان والده الحاج بشير ابن بيئته فإضافة إلى التزامه الديني كان عروبياً ومتحمساً بشدة لقضايا العروبة وملتزما بقضايا أمته وخاصة قضية فلسطين وشب فؤاد يومها في هذه البيئة الملتزمة .

مرحلة الدراسة: تلقى علومه الابتدائية في قريته البرج ثم انتقل مع العائلة إلى مدينة طرابلس وسكنت العائلة منطقة باب التبانة ذات الكثافة السكانية والمركز التجاري الأهم في حينه ، وانتسب إلى مدرسة النموذج الرسمية حيث أكمل فيها دراسة المرحلة المتوسطة ثم انتقل إلى ثانوية الملعب البلدي في طريق المئتين حيث أكمل المرحلة الثانوية ونال شهادة البكالوريا فرع الرياضيات.

توقف بعد الشهادة الثانوية عن متابعة الدراسة الجامعية لفترة من الزمن لعدم قدرة العائلة على تسديد أقساط دراسه الجامعية فكان يزاول حينها بعض الأعمال الوظيفية البسيطة لتأمين مصاريفه.

وفي سنة 1978 حصل على منحة دراسية من منظمة التحرير الفلسطينية ذات النفوذ يومها في لبنان وتابع دراسة الهندسية المدنية في الجامعة العربية في بيروت, لكن هذه المنحة أوقفت بعد فترة لأسباب وصفها شقيقه الشيخ خالد بأنها سياسية, فهو في حينه كان قد بدأ بالتوجه نحو الحركة الإسلامية والالتزام بالإسلام كمنهج وعقيدة, الأمر الذي لم يرق على ما يبدو لبعض المتنفذين في حينه في منظمة التحرير الفلسطينية فأوقفت منحته الدراسية وتعثرت الدراسة.

بعد ذلك انتسب إلى معهد طرابلس الجامعي للدراسات الإسلامية كلية الشريعة وتابع دراسته حتى استشهاده.

فكره السياسي ومعتقداته:

مثله مثل كثير من الشباب العربي في حقبة الستينات كان معجبا بالأفكار المستوردة والتي روج لها الأستعمار الأوروبي في بلادنا العربية والإسلامية من ديمقراطية واشتراكية وماركسية وكان يؤمن بالعنف الثوري وسيلة لأحداث التغيير السياسي فانتسب إلى حزب يساري لكنه ما لبث أن انضم إلى مجموعة قامت بحركة انشقاقية وانشأت ما سُمِّي حينها المقاومة الشعبية والتي كان من قادتها الشهيد خليل عكاوي “أبو عربي” إلى جانب بعض الرفاق الأخرين .

كان الشيخ فؤاد الكردي منذ دخوله الأول في العمل السياسي مسكونا” بهاجس التغيير والإصلاح الاقتصادي وتحقيق العدالة الأجتماعية وكان يبحث عن فكر وإيديولوجية تحقق ذلك ولم يكن في نظره للإسلام الحركي القدرة على إحداث مثل ذلك التغيير لتردي الحالة الحركية والفكرية بشكل عام، وللالتباس الذي كان يسود عقول الكثير من الشباب والمفكرين في النظرة الى الأديان ومن ضمنها الإسلام.

لكن قيام الثورة الإسلامية في إيران وتحطيم عرش الشاه أحدث يومها زلزالا في الواقع السياسي والفكري في المنطقة .

وشكل صدمة في التفكير الثوري لدى كثير من الشباب المتحرر وأصحاب الأفكار والمناهج التغييرية في العالم العربي و الإسلامي , وبدا أن الإسلام الفكري والثوري قادر على صناعة التغيير وتحقيق العدالة مما قدم دفعا للمشروع السياسي الإسلامي على المشاريع اليمينية واليسارية في المنطقة .

من هنا بدأ الشيخ فؤاد الكردي في الاطلاع وقراءة كتب الفكر الإسلامي وخاصة كتابات المفكر الإسلامي الأشهر , الشهيد سيد قطب وخاصة كتابه المعروف “معالم في الطريق ” فكانت هذه بداية العودة الى الله .

تعرف على إمام وخطيب جمعة مندفع يثير الحماسة في نفوس الشباب ويقارب المشاكل الاجتماعية والسياسة بطريقة تغيرية مختلفة عن الخطباء التقليديين، يصدع بكلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم فأعجب به ونشأت بينهما علاقة أخوة تحولت إلى جلسات حوارية تبحث في سبل الخروج من دائرة ردة الفعل إلى دائرة الفعل والتغيير .

ذلك المفعم بالحماسة كان الشيخ سعيد شعبان إمام وخطيب مسجد التوبة المملوكي الذي بني قبل 700 سنة والذي كان يرتاد مسجده الشباب من كل أحياء طرابلس وقرى الضنية والكورة وعكار في شمال لبنان .

جمعة بعد جمعة وصرة بعد صلاة تحولت العلاقة المسجدية إلى حوار ونقاش تدون فيه التجارب وتنشأ من خلاله لجان المصالحة تارة ولجان مساعدة الفقراء والمرضى تارة أخرى .

كانت بداية هذا التحول مستغربة وملفتة للنظر لدى الأهل والأصدقاء والمعارف , حيث تحول هذا الثوري اليساري بين ليلة وضحاها إلى شاب ملتزم إسلاميا ومقيما لشعائر الإسلام ومتحمسا للصلاة في المسجد ودعوة الشباب , مناقشا ومجادلا في الدفاع عن دينه وعن إسلامه ومفندا لكل النظريات التي كان يعرفها سابقا ويحفظها عن ظهر قلب مما أدى في البداية إلى حصول صدام عنيف مع المجموعة الحزبية التي كان ينتمي إليها سابقا وهدد بإخراجه من منطقة التبانة إذا قام بأنشطة دعوية وإسلامية.

كان فؤاد الكردي من الشباب الذين تعودوا على الكفاح والتحدي, لذلك لم يفت في عضده التهديد أو التهويل فلم يستجب للتهديدات التي وجهت إليه وقد بدا يلتف من حوله مجموعة من الشبان في منطقة التبانة من آل الزعبي والعتر وغيرهم من الشباب الذين أعجبوا بفكره والتفوا حوله وتحول منزله في التبانة حي السراقبة إلى مدرسة لتعليم القرآن والفقه ومحو الأمية حيث كان يتوافد عليه بعض المشايخ الذين كانوا يساعدونه في مهمته الجديدة, منهم الشيخ سعيد سكاف.

كان يعتقد أن الصراع الداخلي مدمر للحركة الإسلامية وكان يرى إمكانية التعاون بين الإسلاميين وأبناء الخط العروبي والوطني في لبنان لمواجهة المشروع الصهيوني الأكبر والذي كان يعاونه في لبنان القوات اللبنانية واليمين اللبناني المتطرف بشكل عام.

كان الشيخ الكردي يرى أن سوريا ولبنان وفلسطين وغيرها من أرض العرب والمسلمين , هي امتداد واحد , وتاريخ وجغرافيا موحدة رغم الحواجز والحدود التي صنعها الأستعمار

بدا الشهيد فؤاد بدراسة الفقه الإسلامي والتعمق في فهم الإسلام وحفظ الكثير من آيات القرآن والأحاديث النبوية , والمحافظة على الصلاة وخاصةً صلاة الفجر , حيث كان يذهب الى المسجد فجراً ويصلي ثم يحضر حلقات العلم والدروس الإسلامية ولا يعود إلى منزله حتى بعد صلاة الظهر.

كان شغوفا كثيراً بالمطالعة والقراءة والنقاش فقرأ للشهيد محمد باقر الصدر وكان يظهر اعجابه وتقديره لهذه الكتابات خاصةً كتابه اقتصادنا .

كان يركز على التغيير والإصلاح الأجتماعي متهما السياسين التقليديين بجر الأمة والمجتمع إلى التخلف السياسي والاقتصادي.

كان لفؤاد الكردي دوراً كبيراً ومؤثراً في قريته البرج حيث كان يعد رائد العمل الإسلامي في منطقة الجومة في عكار حيث تحول الكثير من الشباب على يده عن النظرة السلبية للإسلام إلى الإسلام الحقيقي الذي يرفض الظلم والخضوع للظالمين.

كان فؤاد الكردي يؤمن بضرور ة تعاون كل القوى الوطنية والإسلامية في مواجهة المشروع المتصهين في المنطقة , فكان كثيراً ما يتودد إلى كل أقاربه عملاً بالآية الكريمة التي تدعو إلى دعوة الأقارب أولاً:”و أنذر عشيرتك الأقربين” وفي قوله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا” وبالأحاديث النبوية التي تحض على صلة الرحم.

استشهاده : لم يكن فؤاد الكردي يؤمن بضرورة اتخاذ الأحتياطات الأمنية لأعتقاده ان الله هو الحامي ولاعتباره أن الاجراءات الأمنية تعيق حركة الدعوة

ولكن الرصد الأمني المخابراتي المحلي والإقليمي وحتى الدولي كان يراقب بقلق صعود نجم حركة التوحيد الإسلامي والرجالات الأكثر دينامية فيها فكان أن وضعوا مجموعة من كوادرها على لائحة التصفية والاغتيال .

ومنهم الشيخ فؤاد الذي كان شديد الود والمحبة لأقربائه فكان يحرص دائماً على زيارتهم ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم , ففي العام 1984كان في عيادة لقريبة له مريضة ترقد في مستشفى النيني في طرابلس وبرفقته صديق له هو محمد مكية وخالته فتعرض لكمين مسلح يعتقد أن وراءه مجموعة حزبية تابعة لجهاز أمني فتم إطلاق النار عليه بغزارة مما أدى لاستشهاده على الفور وإصابة خالته بإصابات طفيفة.

وقد كان لأستشهاد فؤاد الكردي اثراً كبيراً في منطقته, حيث عم الحزن الأهل والإخوان والأصدقاء وحتى الخصوم الذين كانوا يرون فيه خصماً مثقفاً وموضوعياً .

كان هم الأمة وفلسطين حيا دائماً في قلبه , يناقش ويجادل ويقاتل دفاعاً عن هذه القضايا كلها , وكانت له كتابات كثيرة لم تحظى بالنشر وكانت كلها ترتبط بالعمل الإسلامي والتنظيمي ومشاكل الدعوة  وتراتيبة التنظيم والقيادة والجهاد في سبيل الله , وكان يرى ضرورة الفصل بين القيادات العلمية والجهادية وابعاد العلمي منها عن ساح المواجهات الداخلية لتتفرغ للقيادة السياسية والتطوير الفكري.

رحم الله الشهيد فؤاد الكردي و افسح له في جنانه , فقد كان النموذج المثال للداعية الإسلامي الصادق في دينه والتزامه والذي كان لا يرى قيمةً للإيمان والعقيدة في حياة المسلم إلا إذا اقترنا بالممارسة والتطبيق العملي عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا يقبل الله إيمانا بلا عمل ولا عملا بلا إيمان ” .

خاص التوحيد