-

تهويد مشهد السيدة سكينة بنت الحسين في طبرية..

في جنوب مدينة طبرية القديمة، عند أطراف المقبرة الإسلامية وإلى الشمال من المقبرة اليهودية يقع مقام الست سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنها. في المكان مسجد ومحراب وضريح وغرف للزوار ومرافق أخرى. ورغم أن سكينة ماتت في المدينة المنورة سنة 117 هجرية /735 ميلادية إلا أن لها مقامات في القاهرة ودمشق وطبرية، ذلك لأنها مرت بدمشق ثم بطبرية في طريقها إلى مصر بعد مقتل والدها الحسين بن علي في كربلاء.

في التسعينيات من القرن الماضي سيطرت عناصر دينية يهودية على المكان مدعية أنه “قبر راحيل” زوجة الرابي عقيبا، واستأئرت به مانعة المسلمين من الدخول إليه لإقامة الصلوات. لقد جرى تهويد ممنهج للمشهد.

عُرِفَ عن سكان طبرية أنهم كانوا من المسلمين، وذلك في أعقاب سيطرة الدولة الفاطمية على بلاد الشام. يقول ناصر خسرو في كتابه سفر نامه عند زيارته لطبرية سنة 1047م: “يقع قبر أبي هريرة خارج المدينة ناحية القبلة، فإذا ذهب أحد للزيارة تجمع عليه الأطفال وتحرشوا به وحملوا عليه وقذفوه بالحجارة ولكن لا يستطيع أحد زيارته لأن السكان هناك شيعة.”(ص 64)

أصبح من المؤكد أن زيارة قبر الست سكينة في طبرية بدأت من العهد الفاطمي. يجب أن لا ننسى أن المذهب الدرزي بدأ في تلك الفترة يتغلغل بين السكان. يقول الهروي الذي زار طبرية سنة 1173م: “وبظاهر طبرية مشهد به قبر سكينة ابنة الحسين عليه السلام، وبه قبر يقال إنه قبر عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب”(ص 27-28).

يستفاد مما رواه الهروي أن المشهد كان في عهد الفرنجة وقبل معركة حطين، وأن به قبرًا آخر لعبد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب. وقد أكد ذلك ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان حيث يقول: “وفي ظاهر طبرية قبر يرون أنه قبر سكينة والحق أن قبرها بالمدينة، وبه قبور يزعمون إنه قبر عبيد الله بن العباس بن الحسين بن أبي طالب..”.(ج4، ص 19)

في عهد المماليك دأب السلاطين على بناء المقامات والمشاهد الكثيرة، وذلك مراعاة للمشاعر الدينية لدى عامة الشعب. وقد شمل ذلك المشاهد المرتبطة بآل البيت بمقتضى الفكر السني العباسي. ففي الأول من شهر رجب سنة 694 هجرية/17 أيار سنة 1295 ميلادية قام نائب السلطنة في صفد الأمير فارس الدين البكي ببناء مسجد ومرافق على مشهد الست سكينة وقبر عبد الله بن العباس العلوي في طبرية، كما تدل على ذلك الكتابة التي كانت فوق مدخل المشهد وأختفت وفيما يلي نصها:

1.بسم الله الرحمن الرحيم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا

2.أمر بعمارة هذا المشهد المبارك وهو مشهد الست سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب

3.وعبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلم العبد الفقير إلى الله تعالى

4.فارس الدين البكي الساقي العادلي المنصوري نائب السلطنة بالممالك

5.الصفدية والشقيفية والساحلية وذلك في غرة شهر رجب سنة أربع وتسعين وستمائة

أما النقش الثاني، الذي يشمل الأوقاف التي أوقفها الأمير فارس البكي، فانتزع من المشهد، وهو موجود اليوم في متحف كيبوتس “دجانيا ألف”، وفيما يلي نصه:

1.بسم الله الرحمن الرحيم هذه الأماكن الموقوفة على مصالح مشهد الست سكينة بمقتضى ثبوت ذلك مجلس الحكم

2.العزيز وهي مجر فدّانين من أرض طبرية من جملة ثلاثين فدانا وقطعتا أرض تعرفان بالحرثيتين والأرض

3.المعروفة بالمنبر وأرض تعرف ببستان القسيس وحاكورة تعرف بالقصيل وحاكورتان مجاورتان لهذا المشهد

4.المبارك وحاكورة كرم دار مسرور وقطعتا أرض إحداهما تعرف بالبير والأخرى بالرجم الكبير

5.وحاكورة تعرف بأم رجم وأرض تعرف بالبستان والذي وقف العبد الفقير إلى الله تعالى

6.الأمير فارس البكي الساقي المنصوري العادلي منشئ هذه العمارة وهو

7.جميع بستان الحنّانة المجاور لمدينة طبرية وبحيرتها وحدود ذلك مثبتة بكتابي الوقف

هذه دلائل ثابتة على أن المشهد هو مشهد إسلامي، فكيف ظهرت دعوى يهودية المكان؟

لا دليل لديهم سوى أن أحد أحبارهم المدعو أشتوري هافرحي رأى في عام 1522م أن لفظ سكينة قريب من زكناه بمعنى عجوز، وبنوا على ذلك أن الست العجوز هي زوجة الرابي عقيبا الذي توفي في القرن الأول للميلاد في نواحي طبرية، ولم يذكروا لنا أي دور لعبته عجوزهم في نشر مبادئ دينهم، أو ثقافتهم، بينما تذكر المصادر الإسلامية أن السيدة سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب كانت ناقدة وراعية للشعر والأدب، ومثالا للتقوى والورع والعبادة، ولاقت الأمرّين بعد استشهاد والدها في معركة كربلاء. لقد كانت سكينة مثالا للست المثقفة والمكافحة فنالت التقدير والاحترام.

في عام 1882ميلادية أمر والي دمشق بترميم مبنى الضريح. في عهد الانتداب توافد الناس من جميع قرى قضاء طبرية وديار الجليل لزيارة المكان والتبرك به.

اضف رد